استعيدوا دجلة  

ان قيمة الاشياء تستمد من ندرتها او منافعها او جماليتها واذا ما اجتمعت هذه الصفات في شيء واحد تكون قيمته غير قابلة للتقدير والتثمين واذا كانت صفة المنفعة تطغى على الصفات الاخرى بمعنى ان مردود الشيء وانتاجيته يمكن الاستفادة منه من قبل عدد كثير من الناس يعد امتلاكه من قبل شخص او جماعة معينة صغيرة احتكارا. من هذه الاشياء التي في العراق ويعد استغلالها من قبل الفرد احتكارا واعتداء على حقوق الاخرين هما دجلة والفرات الخالدان اللذان بنيت على ضفتيهما معظم مدن العراق الكبيرة والمهمة واللذان تغزل بهما شعراؤنا وذكرها ادباؤنا في ادبياتهم ونسجت عجائزنا الحكايات حولهما وحول السعلوة التي تسكنهما..الفرات لا يقل معزّة واهمية عن دجلة ولكن سيكون كلامنا عن دجلة كونه يكحل عيون عاصمتنا الحبيبة بغداد والذي سنذكره عن دجلة ينطبق على الفرات. منذ انشاء بغداد وقصر الخليفة المنصور على قسم من ضفاف دجلة تركت باقي الضفاف ملاذا ترفيهيا للعامة من الناس ومصدر رزق للبعض منهم وبقي هذا الحال الى ان جاء الولاة العثمانيون فاقتطعوا لانفسهم ولحاشيتهم اقساماً من الضفاف ومع ذلك بقيت الكثير من ضفاف دجلة مباحة للعامة وحتى الاقسام التي خصصت للخاصة لم يمنع مزاولة الصيد والسباحة والمرور فيها او امامها.كما انه في السابق كانت الجسور قليلة وعندما تتعرض الى زخم تغضب وتترك الخدمة وتذهب مع مجرى الماء ولا تعاد الا بعد ايام بالطبول والموسيقى لتعود الى الخدمة وكانت شوارع بغداد مجرد ازقة لا تخدم الانشطة الاقتصادية مما ادى الى استخدام مجرى دجلة لعمليات النقل بين مناطق بغداد والضفتين والمحافظات سواء لنقل البضائع او الافراد. وبعد فتح الطرق وانشاء الجسور الحديثة وانتشار وسائط النقل العصرية تقلصت عمليات النقل المائي في نهر دجلة الى ان انعدمت تدريجيا واصبح دجلة وضفافه مكانا ترفيهيا ومصدر رزق للصيادين والمزارعين الصغار. ظل هذا الحال الى عام 1968 إذ حولت الدكتاتورية المناطق المجاورة للقصر الجمهوري والمجلس الوطني والمناطق المقابلة لها في الضفة الاخرى الى مناطق محرمة على الجميع واستمر المنع وانتشر في كل منطقة على ضفاف دجلة يقام فيها قصر رئاسي او دائرة امنية او عسكرية او سياحية خاصة بالمسؤولين,وخلال مدة اربعة وثلاثون عاما اصبحت المناطق الممنوعة اكثر من المسموح بها واحتكر دجلة وضفافه للنخبة الحاكمة فقط الا مناطق صغيرة تركت لعامة الشعب ولو قدر للنظام السابق البقاء في الحكم مدة اطول لشمل المنع جميع ضفاف دجلة في بغداد وضواحيها حسب ازدياد اعداد العائلة الحاكمة.واليوم زال النظام البائد ولكن الممنوع لم يزل لان التحالف حل محل النظام السابق وتحول دجلة وضفافه من حالة الاحتكار الى حالة الاسر والمناطق غير الممنوعة اصبحت معقلا للنفايات يلفها ظلام انقطاع التيار الكهربائي المستمر . ربما يزول الاحتلال يوما ويطلق سراح دجلة من اسره ولكن الذي يقلق هم المسؤولون الذين سيأتون بعد الاحتلال فهل سيعيدون دجلة الى اهله ام سيتبعون سياسة النظام السابق .لهذا ندعو شعبنا وبالاخص البغداديون منهم الى استعادة دجلة سريعا ومنذ الان ويضعوا على ضفافه موطئ قدم ويباشروا بعمل محطات نقل مائية في الكرخ والرصافة للتخلص من الزخم المروري الحاصل الان في بغداد والذي جعل وسائط النقل غير فعالة حتى الموتور سايكل اصبح سيره عسيرا بسبب الفوضى وانعدام النظام كما ان التنقل عن طريق النهر يحد من عمليات الاختطاف والتسليب وسرقة السيارات التي ليس لها حل ويوفر فرص عمل دائمة لاصحاب الزوارق الصغيرة والمتوسطة ويخلق عمل لباعة الشاي والمشروبات الغازية والأكلات السريعة ولعمالهم وعمال صيانة الزوارق وحمايتها وعمال سلامة الركاب.لا تختصر انشطة هذه المحطات على النقل اثناء الدوام الرسمي فقط بل من الممكن تحويل نشاطها مساء وفي العطل والاعياد الى انشطة سياحية وترفيهية تضفي على بغداد جمالية اكثر.

                                                                                                                                                                                                                                                                                    عامر الوادي