الحمير وبقرة العراق 

في احد الايام وقبل سقوط النظام السابق واحتلال بغداد كنت جالساً مع ختيار مسن من اعيان بغداد المحترمين ينتسب الى عائلة البغدادي المعروفة نتجاذب اطراف الحديث حول الاوضاع التي كانت سائدة في العراق اثناء الحصار وتأثيره على الاقتصاد والحياة العامة والحالة التي وصل اليها المواطنين وتمنياتنا في الخلاص من تلك الحالة وتصوراتنا عن كيفية الخلاص منها.
فبادرني محدثي الختيار بقصة من التراث الشعبي مشبها احداثها بحالنا وحال العراقيين.. حيث قال:
كان هنالك شيخ عجوز فقير الحال لا يملك من الدنيا سوى بقرة حلوب وحمار اعرج لا يقوى على تأمين غذائه مما جعل العجوز يحلب البقرة ويقتسم حليبها بينه وبين حماره الاعرج الذي تكون حصته من الحليب اكبر من حصة الشيخ العجوز. كان الشيخ يعطف على الحمار لدرجة انه لا يستطيع قتله او طرده الى البرية وفي احدى الليالي طلب من الله ان يموت الحمار لكي يشبع من حليب البقرة ولكنه عندما استيقظ في الصباح وجد البقرة ميتة والحمار حي يرزق فاصيب الشيخ بحالة من الذهول لانه بعد جوعه وحرمانه وصبره وعطفه على حماره الاعرج لم يستجب الله لدعائه وابتلاه بفقدان البقرة التي كانت تؤمن له غذاءه وغذاء حماره.
وبعد ذهول الشيخ اصابته هستيريا جعلته يحمل البقرة الميتة والحمار الاعرج ويذهب بهم الى السوق ويسأل الماره عن جنس هذا وجنس ذلك فيقولون له هذا حمار اعرج وهذه بقرة ميتة فيجيبهم والله اعرف ذلك واستمر بسؤاله الى اخر النهار والى ان جاء مستطرق كفيف فطلب الشيخ منه ان يتلمس حيواناته ليعرف حالتها واجناسها فتلمسهم الكفيف واجاب الشيخ قائلا هذا حمار اظنه اعرج وهذه بقرة اظنها ميتة فأجابه الشيخ العجوز هذا صحيح وهذا ما اعرفه.
بعدها رفع الشيخ العجوز رأسه الى السماء وقال يار ب يا الله انك سميع بصير وانا طلبت منك موت الحمار وبقاء البقرة لأشرب حليبها كله فما هي حكمتك في موت البقرة وابقائك على حياة الحمار ارجو ان تكون العاقبة خيراً. انهى محدثي الختيار حكايته واستطرد يشرح لي اوجه التشابه بين حال الشيخ العجوز صاحب البقرة والحمار وبين حال شعبنا في تلك الفترة التي قص فيها لي حكايته فقال:
نحن صباحا ومساءً ندعو الله سبحانه ان يخلصنا من حمارنا الذي يأكل معظم ما يرد الينا من خيرات العراق ويبذرها وبسببه فرض علينا الحصار وزاد حالنا سوءً ويزداد حرمانا يوما بعد يوم ولا نعرف متى وكيف ستكون نهاية هذا الحمار. تذكرت حكاية الختيار هذه وتمنيت لقائه لأقول له ان الله سبحانه قد ازال حمارنا السابق وزالت عنا اطماعه وشراهته وبطشه ولكن الان رغم بقاء بقرتنا على قيد الحياة وغزارة حليبها وتدفقه لم يشرب شعبنا منه شيئا لاننا لم نعد نحلبها او نرى حليبها او حتى نراها لمعرفة حالها واصبح حالنا الان اسوأ من حالنا في السابق ايام حمارنا القديم لان الله ابتلانا بقطيع من الحمير تشرب الحليب كله وتأكل الضرع ايضا. كما ان هذا القطيع من الحمير لا يتبع الاساليب التقليدية في لصوصيته عند سرقة حليب بقرتنا كالاختباء والابتعاد عن العيون اثناء السرقة بل يجاهر ويتفاخر بسرقته ويمعن في تعذيب بقرتنا اثناء حلبها وكل يوم يرفسها في مكان من جسمها ظنا منه انه سيزيد كمية الحليب ويبقى على استمراريته ولكن ماذا نتوقع من قطيع الحمير غير الشراهة وعدم الشعور والاحساس.
واني اقول لمحدثي الختيار ليدعو معي الله يخلصنا من هذا القطيع وليسلط علينا بعدهم اي قطيع من حيوانات اخرى يكون لها احساس وفائدة وذكاء كالقطط مثلا تشرب الحليب وتأكل فئران مجارينا الطافحة او كلاب تشرب الحليب وتحرسنا وتوفر لنا الأمن او خيول تشرب الحليب وننتقل بها لتحل ازمة الوقود او خراف ننسج من صوفها ما يسترنا او اي نوع اخر الا الحمير.
صحيح ان الحمير كانت تستعمل سابقا في نقل المواد الانشائية ولكن حمير زمان كانت تعرف طريقها جيدا ولا تتخبط كحمير هذه الايام ثم لاي بناء واعمار نحتاجها والمدن العراقية تهدم كل يوم بسببهم.

                                                                                                                                                  عامر الوادي