مفاهيم في الديمقراطية


ونحن نمر بهذه التجربة وان كانت الديمقراطية عبرة التطبيق فانها في نفس الوقت عبرة التفسير لانها من الناحية الفكرية تستمد قوامها من المبادئ الانسانية الكبرى كالاخلاق والعدالة ولهذا يقال ان فهم الديمقراطية يمكن في العقل اولا ولكن ذلك لا يدفع الى التسليم بما يعتقده البعض من ان الديمقراطية مثال لا يمكن تحقيقه وانها عقيدة علمية وكما تؤكد الديمقراطية على ضرورة احترام الحريات منذ القرن الثامن عشر فقد كانت ذات صيغة فردية حتى نصف القرن التاسع عشر ويبدو ذلك واضحا في لائحة حقوق الانسان بصددها سادت المبادئ التي تدعو الى التضامن. ان المثل الاعلى للسعادة قد تحول من ذلك الذي يرى النعيم في الطير المحلق بمفرده في السماء الى النملة التي تشارك زميلاتها العمل في الخلية المشتركة ومعنى هذه العبارة ان الديمقراطية الحقيقية هي التي تستطيع التنسيق بين مطلبين هما حماية الحرية الفردية ودعم التضامن الاجتماعي.
اما التجانس الاجتماعي فهو ايضا من الشروط الاساسية للديمقراطية فالمجتمع الذي ينقسم الى فئات متدرجة بشكل حاد يصعب عليه ان يطور عمل الديمقراطية كل ذلك يسمح بايجاد مناخ اجتماعي يلاءم المشاركة الايجابية. ان الديمقراطية تهدف ايضا الى تحقيق المساواة الاجتماعية وانها لا تقتصر على مبدأ السيادة الشعبية كما ان الديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب والحقيقة ان المعنى الضيق للديمقراطية ينحصر في الاستخدام السياسي لها. ان الشعب هو الذي يراقب السلطة لكن ذلك لايعني ان كل الشعب يمارس هذه المراقبة فذلك امر لايطابق الواقع لانه يتطلب ضرورة صدور القرارات والقوانين المتعلقة بادارة الدولة باجماع اراء المواطنين ثم ان يباشر كافة المواطنين امور السيادة في الدولة. ان الانسان بما يتميز به من قدرة عقلية يستطيع ان ينظم ويرتب حياته وان يحمل مشكلاته بطريقة عقلانية وهذا يتطلب الاتفاق على المسائل العامة بعد المناقشة والحوار العاقل الذي ينشأ بين اشخاص لديهم القدرة على وزن المسائل بطريقة عقلانية ومن الدعائم الرئيسية للديمقراطية ايضا الوعي العام لدى الناس بالنظام الديمقراطي ويقصد بذلك ان يكون الشعب واعيا تماما بالسلوك الذي يخدم المصلحة العامة او يحقق الاهداف العليا للمجتع ويقال ان الديمقراطية لا تنمو وتزدهر في مجتمع لا يفهمها وتكون للديمقراطية رؤيا حضارية اكثر من كونها مسلكا سياسيا ويترتب على هذه الرؤيا تشريع وحس ووعي ديمقراطي. فالديمقراطية اذن هي البعد الانساني والحس الحضاري المتقدم وفي الديمقراطية حينما يشارك المواطنون في الحكم يكون الشعب واعيا تماما بالسلوك الذي يخدم المصلحة العامة وان السلطة تمارس ماهو مفيد والاقتناع بالمساهمة في اتخاذ القرار السياسي الصغير قليل الاهمية والكبير الخطير ولا للديمقراطية في ظل الاحتلال.