|
ليست ملاحظاتي غير سبر من بعيد لأحداث العراق الراهنة على ضوء ما أقرأ وما يذاع
وما أسمع من معلومات. إن الخفايا مع الأسف كثيرة وثمة شبه ألغاز أو نقاط غامضة،
كقضية المدائن، وما هي التفاصيل الحقيقية؟ الغموض هنا لابد ويجب أن ينجلي قريبا
ولابد من أساس ما لما نشر وقيل. وغموض آخر يكتنف قضية على أي برنامج سياسي اتفق
قادة اللائحتين الائتلافية والكردستانية؟ فالمعلومات مضطربة وكان معظم مصادرها
من جانب اللائحة الائتلافية. كما أن مطالب الدكتور إياد علاوي ولائحته لم تتضح
لنا بعد كل الوضوح. على كل، إن استمرار التأخر في تشكيل الحكومة حتى كتابة هذه
السطور أمر سلبي وضار جدا وآمل أن يكون الأمر قد حل قبل صدور هذا المقال. إن
إجراء الانتخابات في موعدها كان، وبحد ذاته، حدثا تاريخيا في العراق وفي
المنطقة العربية كلها. وفي مساء الانتخابات، التي شاركت فيها سعيدا منتشيا،
كتبت أن المهم وقوع التصويت بكثافة شعبية أثبتت خطا المقاطعين من وطنيين لهم
حساباتهم وتحليلاتهم، ناهيكم عن أعداء الديمقراطية من أساسها كالصداميين
والإرهابيين العرب المتسللين، الذين كانوا قد هددوا بالموت والخراب لو جرت
الانتخابات. كانت الانتخابات ردا شعبيا قويا على القوى المعادية لشعبنا. ويجب
الإقرار بدور السيد المرجع الشيعي الأعلى في الحث على الانتخابات وإصرار
الدكتور علاوي على احترام الإرادة الشعبية والقرارات الدولية وتفيذ العملية في
الموعد المقرر دوليا. ولكن المصيبة كانت في الاستخدام السياسي لاسم سماحة السيد
السيستاني وإلصاق قائمة بعينها بالمرجعية، وما راح خطباء الجوامع والحسينيات في
الجنوب يبثونه من أن من لا يصوت للقائمة يعتبر كافرا! وهذه معلومات مؤكدة وليست
مجرد إشاعة. وكان هذا نوعا من التأثير غير المشروع على التصويت. إن مصدر الخطر
هنا هو إقحام الدين ومراجعه المحترمة في أدق تفاصيل العملية السياسية وحتى التي
هي موضع خلافات عميقة؛ فصوروا الأمر وكأن المرجع الكبير منحاز بكل ثقله لقائمة
واحدة من بين عشرات القوائم الأخرى. في عهد مجلس الحكم صرح رجل الدين والسياسي
المعروف لجريدة الشرق الأوسط في مارس 2004 عن تحدث بعض أعضاء ذلك المجلس باسم
السيد السيستاني:
" هؤلاء يتحدثون باسمهم؛ أما أن يحاولوا التحدث باسم السيستاني فهذا تمويه
إعلامي . وأقول عن يقين إن مثل هذا التصرف مرفوض وهذا استغلال للمرجعية. السيد
السيستاني نادرا ما يلتقي أحدا، وأغلب اللقاءات تتم مع نجله محمد رضا.(نصا) إن
استفحال التحيز الطائفي من المذهبين، وإن الإقحام المتزايد للدين ورجاله في
شؤون الدولة وحتى تفاصيل العملية السياسية، يتناقضان مع أبسط المبادئ
الديمقراطية وسوف يشكلان خطرا كبيرا على الجهود من أجل كتابة مشروع ديمقراطي
فيدرالي ومدني للدستور الدائم. وقد لفت نظرنا التصريحات المتواترة للسيدة
الناطقة باسم المنتخبات في الجمعية الوطنية من قائمة الائتلاف. إن هذه
التصريحات تفلسف في الواقع لأحقية فرض نظام الشريعة في ميدان الأحوال المدنية
بدلا من أن تكون لائحة حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية والاتفاقات الدولية
لصالح المرأة هي المرجع الرئيسي سواء في مجال الأحوال الشخصية أو كافة مجالات
التعامل الاجتماعي دون أن يمس ذلك الدين والمقدسات الدينية. إن الأديان محترمة
في كافة البلدان الغربية مع أن أنظمتها ديمقراطية وعلمانية. إن في أمريكا
وفرنسا وبريطانيا وغيرها عددا هائلا من مساجد المسلمين ناهيكم عن احترام سائر
الأديان الأخرى و الحرية الدينية التامة معسائر الحريات وحقوق الإنسان. إن
تأسيس نظام ديمقراطي يناقض ما تنص عله برامج وأهداف الأحزاب الإسلامية من
المذهبين، لكونها جميعا ذات هدف معلن ومكتوب وهو حكم الشريعة واعتبار الدين
الإسلامي هو خيمة المواطنين مهما كانت الأديان والقوميات متعددة كما في العراق
وهو المصدر الوحيد أو الرئيس للدستور. وما لم تعد هذه الأحزاب جذريا النظر في
هذه الأهداف والبرامج فإنها ما أن تجد نفسها قادرة على فرض حكم ديني فإنها لن
تتوانى. ولكن تحقيق مثل هذا المشروع في العراق يصطدم بعقبات كبرى. إن مما يدعو
للثقة كون الجبهة الكردستانية الفائزة بعد الائتلاف تقاوم بحزم أي نوع من الحكم
الإسلامي. أما المؤسف فهو انه لم تجر بعد الانتخابات جهود ومساع لتشكيل صف
ديمقراطي علماني قوي يمارس ضغطه الحازم في وجه كل مناورة هادفة للتجاوز على
قانون الإدارة أو قانون الأحوال الشخصية. المشكلة الأمنية
هذه المشكلة هي همّ الجميع وأتناول هنا بعض النقاط المرتبطة بالمشكلة.
أ ـ أما الأولى فهي من القوى الرئيسة في الحرب الإرهابية المشتعلة على
العراقيين منذ سقوط صدام؟ وهل هناك مقاومة مسلحة وطنية بينها؟ جوابي الذي عبرت
عنه والذي أتفق فيه مع العشرات من الكتاب العراقيين المتابعين هو أن القوى
الرئيسية والقيادة لهذه الحرب الشعواء هم الصداميون من قيادات الحزب البعثي
المنحل و ضباط الحرس الجمهوري وكوادره وعصابات "فدائيي صدام" ومن يساعدهم ويقدم
لهم المسكن والمأوى والتبرير السياسي والفقهي! ولا يمكن اعتبار عملياتهم
المسلحة وطنية لأن هدفهم الحقيقي هو عودة النظام البائد، فضلا عن أن آلاف
العراقيين راحوا ضحايا لهم. وسوريا وبعض الدول العربية الاخرى تأوي القيادات
والرؤوس ومن الحدود السورية يتسلل الحلفاء الجدد للصداميين واعني عناصر القاعدة
والمئات من "المجاهدين العرب" من ذوي جنسيات مختلفة، إما بدافع أصولي دموي أو
دافع سياسي أو ارتزاقا، وكل منهم ينفذ الجريمة كهواية ومهنة معا وتنفيذا
أعمى.إن أية مقاومة وطنية حقا لا تفجر المواطنين وأنابيب النفط وعمليات
الاغتيالات. فمعارضة ما يعتبرونه احتلالا استعماريا، (وليس مجرد وجود مؤقت
لقوات أجنبية أسقطت النظام السابق ولها اعتراف دولي من قرارات مجلس الأمن)،
يتطلب استخدام الأساليب السلمية من تظاهر وكتابة ومنشورات، وليس عمليات إرهابية
ضحاياها من المواطنين وأفراد الشرطة والجنود أضعاف وأضعاف جنود القوات الأجنبية
متعددة الجنسية. من حق معارض الوجود الأمريكي أن يمارس حقه الديمقراطي في
التعبير وأن يشارك في الانتخابات ليستغل الجمعية الوطنية منبرا للتعبير عن
موقفه والترويج له.ومع الصداميين والزرقاويين القاعديين وغيرهم من "المجاهدين"
العرب، هناك تدخل إيراني سافر ومستمر ومتصاعد في الشؤون العراقية، وفي تخريب
الأمن من خلال عمليات الإرهاب الصدرية التي كان آخرها العدوان الأثيم وغير
الأخلاقي وغير الإنساني على طالبات وطلبة جامعة البصرة، والذي لم يثر مع كل أسف
الرد المطلوب من الأحزاب العراقية، والشيعية منها بالذات. وكل التقارير الصحفية
والمعلومات المتوفرة تؤكد أن البصرة في طريقها لتكون مدينة شبه إيرانية وحتى في
شيوع اللغة الفارسية ونشر كتب كراريس الخميني وخامنئي، وما توزعه المخابرات
الإيرانية وعملاؤها من أموال طائلة لمساعدة بعذ التنظيمات والجمعيات وهبات
"خيرية"، وغير ذلك، (انظر آخر هذه التقارير في الشرق الأوسط عدد 12 نيسان
2005). وبدلا من محاسبة المعتدين في البصرة فإنه يجري الاعتراف بقياداتهم كشريك
في العملية السياسية! ب ـ النقطة الثانية عن المشكلة الأمنية فهي مطلب زج
الميليشيات الحزبية المسلحة، وكما هي ككيانات في المعركة الأمنية. هنا يجب
التمييز بين وضع المليشيات الكردستانية وغيرها. جميع المليشيات العراقية ذات
خبرة كبيرة وسجل في النضال ضد نظام صدام الدموي. فأما قوات البشمركة فلها
اعتراف شرعي من قانون الإدارة ما دام يعترف بالسلطات الكردستانية وصلاحياتها
داخل الإقليم (لا على نطاق العراق)، ومنها بالطبع حماية الأمن في ذلك النطاق.
وفضلا عن ذلك فإن هذه القوات نشأت على أرض كردستان العراق، وليس لها أي مشروع
سياسي ديني. إن هذا كله وضع خاص تنفرد به دون غيرها من القوات الحزبية. ومهما
يكن فلو أريد الاستفادة من الخبر القتالية للبشمركة وقوات بدر على النطاق
العراقي فيجب أن تندمج ضمن القوات الحكومية وأن تخضع حصرا لتعليمات الحكومة ضمن
تلك القوات ـ أي ليس مجرد استخدامها ككيانات مستقلة لمساعدة القوات الحكومية في
حالات خاصة، بل كجزء من قوات الجيش والشرطة العراقية الرسمية وحرس الحدود. وأشك
في أن الأحزاب والجهات المعنية ستقبل حاليا بحل قواتها المسلحة لتندمج كما مر.
كما أن صيانة الأمن يتطلب إعادة نظر فاحصة في قوام الأجهزة الأمنية وقيادات
الشرطة لكشف وإقصاء كل عنصر مندس أو فاسد تسلل إليها في فترة الحكومة السابقة.ج
ـ يواصل الصدريون بوجه خاص مظاهراتهم هذه الأيام للمطالبة بانسحاب القوات
الأجنبية علما بأن القرار الدولي 1546 قد وضع ما يشبه الجدول الزمني لانسحاب
هذه القوات بعد مفاوضات تجريها الحكومة غير الانتقالية التي تتشكل بعد انتخابات
ديسمبر 2005، وكذلك بطلب من الحكومة العراقية، هو ما لم يفعله لا مجلس الحكم
ولا حكومة الدكتور علاوي. لا أحد يريد أي نوع من الوجود العسكري الأجنبي في
بلاده، وكان بريمر نفسه قد قال :"لا أحد يحب الاحتلال." إن ما أعرفه وما أقرأ
يشيران إلى أن معظم الأطراف الوطنية يرى أن مصالحنا الأمنية تقتضي بقاء القوات
المذكورة أمدا آخر حتى يتم فعلا تقوية القوات العراقية بما يكفي لحماية البلد
من الإرهاب والجريمة وصيانة الحدود. وليس من الصدف أن نرى أنصار السيد مقتدى
الصدر هم الذين يتصدرون حملة المطالبة برحيل القوات المذكور عاجلا. لو صدر ذلك
عن غيرهم لفهمنا واحترمنا هذا الموقف؛ أما الجهة المذكورة فمسؤولة عن فتح مسلسل
عمليات الاغتيال السياسي والخروج على القانون بعد سقوط النظام الفاشي مباشرة،
ومسؤولة عن الفتن الدامية في كربلاء والنجف الشريف ومدينة الثورة ببغداد، وكانت
البادئة باضطهاد المسيحيين والصابئة المندائيين، ومسؤولة أخيرا عن العدوان
الوحشي على جامعة البصرة. فهل نصدق أن هؤلاء ومن ينضم إليهم في أمثال هذه
المظاهرات من فلول صدام والإرهابيين الوافدين هم حريصون حقا على سيادة العراق
ومصالح مجموع الشعب؟ أم الغرض هو أن يخلو الجو لهم لمواصلة تنفيذ العمليات
المسلحة المرعبة؟ وهذه الدعوات غير بعيدة أبدا عن حسابات سورية وإيران
اللتين تحاولان منذ سقوط الطاغية نقل مشاكلهما مع أمريكا والمجتمع الدولي
للعراق وعلى حساب دم العراقيين وخراب البلد، ومحاولة عرقلة تقدمه الديمقراطي..
عزيز الحاج
|